المناوي

372

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

إن كنت ترجو الجنان تسكنها * فمثّل العرض نصب عينيكا إن كنت ترجو الحسان « 1 » تخطبها * فأسبل الدّمع فوق خدّيكا وقم إذا قام كلّ مجتهد * يدعوه كيما يقول لبّيكا * * * ( 347 ) عبد اللّه المتجرّد المتزهّد « * » قال ذو النّون المصري رحمه اللّه : خرجت للحجّ ، فضللت الطريق ، ولم يكن معي ماء ولا زاد ، وأشرفت على الهلكة ، وأيست من الحياة ، فلاحت لي أشجار ، فقصدتها ، وطرحت نفسي تحت شجرة متوقّعا برد نسيم الليل ، وأن يمنّ اللّه عليّ بمرشد ، فلمّا غربت الشمس إذا أنا بشابّ متغيّر اللون ، نحيل الجسم ، ركل برجله الأرض ، فظهر الماء ، فشرب وتوضّأ ، وقام في محرابه ، فقمت وشربت ماء عذبا كسويق السّلت « 2 » وسكّر الطّبرزد « 3 » ، فرويت وشبعت ، وتوضّأت ، وقمت إليه أصلّي بصلاته ، حتى تمزّق الظلام ، ولاح عمود الصّبح ، فوثب قائما على قدميه ، ونادى بأعلى صوته : ذهب اللّيل بما فيه ، وأقبل النهار بدواهيه ، ولم أقض من خدمتك وطرا ، ولا من عذب مناجاتك شطرا ، آه ، خسر من أتعب بغيرك بدنه ، وألجأ إلى سواك همّه ، فلمّا أراد أن يمضي ناديته : بالذي منحك لذيذ الرغب ، وأذهب عنك ملال التّعب ، إلّا خفضت لي جناح الرّحمة « 4 » ، وأمنتني من جناح الذّلة ؛ فإنّي غريب ، وأريد بيت اللّه ، وقد ضللت عن الطّريق ، وليس معي ماء ولا زاد ولا راحلة ، وإني لمشرف على الهلكة ،

--> ( 1 ) في الأصل : الحسناء ، والمثبت من مصادر الخبر . * حلية الأولياء : 10 / 175 ، صفة الصفوة : 4 / 407 ، ولم يسمّه . المختار من مناقب الأخيار 3 / 723 . ( 2 ) السّلت : الشعير ، أو ضرب منه لا قشر له ، كأنه الحنطة . متن اللغة ( سلت ) . ( 3 ) الطّبرزد : السكر المعروف بسكّر النبات ، أو السكر الفضي الذي كأنما نحت من نواحيه بالفأس ( معرب تبرزذ ، والتبر بالفارسية الفاس ) وبه سمّي نوع من التمر لحلاوته . متن اللغة ( طبر ) . ( 4 ) في الحلية : إلا حففتني بجناح الرحمة .